قال ديفيد هيرست في مقال نشره موقع ميدل إيست آي ينغمس المجتمع الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، في نشوة الحرب وحلم التوسع الإقليمي، ويغذي ذلك شعور دائم بالنصر وتفوق القوة.
يستحضر الكاتب مقولة جورج أورويل في رواية 1984 عن “حذاء يطأ وجهاً بشرياً إلى الأبد”، ويرى صدى واضحاً لها في أعقاب الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، الذي أدى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وأحدث صدمة في العالم الإسلامي وزعزع استقرار المنطقة. جاء الهجوم رغم مؤشرات على تقدم في مفاوضات عُمان، وهدد حياة ملايين البشر، بينما رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً شعار إنهاء الحروب، في مفارقة يصفها الكاتب بأنها قلب أورويلي للمعاني: “الحرب هي السلام”.
تعرض ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق أوسع يشمل تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي التي أيد فيها حق إسرائيل في التوسع من النيل إلى الفرات، وخطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في ميونيخ الذي تحدث عن استعادة عظمة الغرب بروح استعمارية جديدة. يرى الكاتب أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمضيان في تصفية قادة سياسيين ودينيين دون اكتراث بمشاعر شعوب الجنوب العالمي أو بعواقب إعادة تشكيل النظام الدولي على هذا النحو.
إجماع سياسي حول الحرب
يقصف الجيش الإسرائيلي أهدافاً داخل إيران، ويقتل مدنيين، بينما يصف كثير من الإسرائيليين الحرب بأنها عادلة وتهدف إلى “تحرير” الإيرانيين، خصوصاً النساء، من حكم رجال الدين. تتردد هذه الرواية رغم تقارير عن سقوط عشرات التلميذات في جنوب إيران. يعكس هذا الخطاب، بحسب الكاتب، نمطاً أوسع في النظرة إلى الفلسطينيين، حيث يحظى استخدام القوة غير المسبوقة وتجاهل القانون الدولي بدعم واسع في سياق السعي إلى التوسع الإقليمي.
يظهر توافق سياسي عريض داخل إسرائيل حول دعم الحرب، رغم إدراك أن أكبر المستفيدين منها هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. يؤيد زعيم المعارضة يائير لابيد فكرة توسيع حدود إسرائيل للسيطرة على أراضٍ أخرى في المنطقة، ما يعكس انسجاماً في السياسة الخارجية رغم الخلافات الداخلية. تعزز التحولات الديموغرافية وصعود التيارات الدينية، من الحريديم إلى القوميين المتدينين، هذا المناخ، وتدفع نحو رؤية تعتبر الحرب جزءاً من هوية الدولة.
تدرك النخب السياسية أن المجتمع يتوحد حول الحرب، ويبني جزءاً من سرديته على الشعور بالعزلة عن المنطقة وعلى اعتبار التوسع أمراً طبيعياً، مع استخدام خطاب ليبرالي غربي يتحدث عن حماية الأقليات وحقوق النساء. وفي المقابل، يوازن قادة غربيون بين مصالحهم؛ إذ نأى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ببلاده عن الضربة الأولى، ثم أكد عمل طائرات بريطانية للدفاع عن حلفاء غربيين. تصل الرسالة إلى المجتمع الإسرائيلي بوضوح: الغرب يدعم هذه العمليات رغم استمرار الحرب في غزة واحتلال أجزاء من سوريا ولبنان وقصف اليمن، ورغم ملاحقة نتنياهو بتهم تتعلق بجرائم في غزة.
نموذج قاسٍ للعالم
يستفيد نتنياهو، بحسب الكاتب، من هذا التصعيد، ويبرهن مجدداً قدرته على توجيه السياسة الأمريكية. ينجح في جر الولايات المتحدة إلى صراع جديد في الشرق الأوسط، رغم معارضة قطاعات من الرأي العام الأمريكي للحروب ورغم ضغوط قاعدة “ماغا” التي ترفض دفع ثمن حروب إسرائيل. يذكّر هذا المشهد بما جرى قبيل حرب العراق، لكن الظروف تختلف؛ إذ يواجه ترامب ضغوطاً اقتصادية أكبر ودعماً دولياً أضعف مما حظي به جورج بوش عام 2003.
يحذر الكاتب من أن شعوب الجنوب العالمي التي قاومت الاستعمار طويلاً لن تقبل العيش تحت “حذاء غربي” دائم، وأن تحويل الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي يحمل مخاطر بعيدة المدى. يرى أن الرهان على القوة وحدها قد يمنح مكاسب تكتيكية، لكنه لا يؤسس لاستقرار دائم. فالمجتمعات التي تبني هويتها على الحرب قد تجد نفسها أسيرة منطق تصعيد لا ينتهي، بينما تتراكم التوترات الإقليمية وتتعقد موازين القوى.
يخلص التحليل إلى أن نشوة الحرب قد توحد مجتمعاً لفترة، لكنها لا تصنع نظاماً قابلاً للاستمرار. يدفع منطق التوسع الدائم نحو صدامات متكررة، ويعمق الفجوة بين الخطاب المعلن عن الديمقراطية والحرية وبين واقع القوة العسكرية. وفي عالم مترابط تتقاطع فيه المصالح والاقتصادات، يصعب تصور أن مشروعاً يقوم على التفوق العسكري وحده سيحافظ على زخمه دون أن يواجه ارتدادات سياسية وأخلاقية واستراتيجية.
www.middleeasteye.net/opinion/iran-war-will-show-israel-and-us-why-colonial-era-ended

